الشيخ محمد رشيد رضا
414
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بالقضاء وما يتخاصم فيه إلى الحكام ، دون ما يدان اللّه تعالى به من احكام الحلال والحرام ولا تجد هذا الحرف في القرآن الا في هذه الآية - وفي قوله تعالى من سورة الشورى ( 42 : 13 شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ، وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى - أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ) وقوله منها ( 42 : 21 أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ؟ ) - وفي قوله من سورة الجاثية ( 45 : 17 ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) فاما شرع الدين فهو وضعه وانزاله من عند اللّه تعالى وليس لغيره ان يشرع . فآيتا الشورى تدلان على أن وضع اللّه تعالى للدين ومخاطبة الناس به يسمى شرعا بالمعنى المصدري ، وليس مما نحن فيه . وأما آية الجاثية فقد روى ابن جرير عن قتادة أنه قال فيها : الشريعة الفرائض والحدود والامر والنهي . وهو نص فيما ذكرنا من قصر الشريعة على الاحكام العملية دون العقائد والحكم والعبر التي يشتملها الدين . والمشهور في عرف فقهائنا وعامتنا ان الدين والشرع أو الشريعة بمعنى واحد . ولكن مع ذلك ترى استعمال : علم الشرع ، وعلماء الشريعة - وكتب الشريعة ، - ألصق بالفقه وكتبه وعلمائه منها بعلم العقائد والاخلاق وعلمائها وكتبها . وتجد الفقهاء يقولون : يجوز هذا ديانة لا قضاء . ونحو ذلك . وتحرير القول إن الشريعة اسم للاحكام العملية وانها أخص من كلمة ( الدِّينِ ) وانما تدخل في مسمى الدين من حيث إن العامل بها يدين اللّه تعالى بعمله ويخضع له ويتوجه اليه مبتغيا مرضاته وثوابه باذنه . والآية نص في أن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا مطلقا ، سواء كانت اللام في قوله « لِكُلٍّ جَعَلْنا » * للاختصاص الحصري أم لا ، خلافا لمن قال به محتجين بقوله تعالى ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) الآية . وقوله ( أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ ) الآية ، وما في معناها . فاما الآية الأولى فقد بين ما شرعه تعالى فيها من التوصية وهو قوله تعالى ( أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ) فهذه وصية اللّه إلى الأمم على ألسنة جميع الرسل ، فهي لا تدل على اتحاد شرائعهم بل على حظر الاختلاف في الدين ، لان الدين نزل لإزالة الخلاف الضار واصلاح